
تقرير خاص | ملاذ
في مدينةٍ أنهكتها سنوات الحرب، حيث تتقاطع يوميات النزوح مع شحّ الخدمات، جاءت زيارة سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن، باتريك سيمونيه، لتكسر جمودًا دبلوماسيًا استمر أكثر من عقد، وتفتح نافذة على واقعٍ إنساني معقّد، ما بين تحديات متراكمة ومحاولات مستمرة للتعافي.
وعلى مدى أسبوعٍ كامل، تنقّل السفير الأوروبي بين لقاءات رسمية ومشاهد ميدانية، شملت السلطات المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، ومجتمعات متضررة من النزاع، في زيارة تُعد الأولى من نوعها على مستوى سفير دولي إلى المحافظة منذ نحو 13 عامًا.
ولم تقتصر الزيارة على الطابع البروتوكولي أو اللقاءات الرسمية، بل اتجهت نحو ملامسة الواقع الإنساني عن قرب، خصوصًا في المناطق الريفية الأكثر تأثرًا بالحرب وتراجع الخدمات.
وتجلّت زيارة الاتحاد الأوروبي في اقترابها من تفاصيل الحياة اليومية للناس، خاصة في أرياف مدينة ، حيث شملت الزيارة بعض قرى مديرية جبل حبشي، وعزلة الزعازع بمديرية الشمايتين، التقى فيهما الوفد الأوروبي بممثلين عن المجتمعات المحلية، ومواطنون نقلوا خلالها واقع الأرياف اليمنية، ومعاناة الناس، بعد أن أنهكتهم الحرب والواقع المرير.
رسالة تضامن
يقول مدير فرع الصندوق الاجتماعي للتنمية – تعز، ، “إنّ زيارة سفير الاتحاد الأوروبي إلى تعز تعكس اهتمام المجتمع الدولي بمعاناة السكان في المدينة بعد سنوات طويلة من الحرب وتبعاتها المأساوية، وتحمل رسالة تضامن مباشرة مع المواطنين”.
وأضاف “المقطري” في حديثه لـ “ملاذ”، “أنّ أهمية الزيارة تكمن في الانتقال من متابعة التقارير المكتبية إلى الاطلاع الميداني المباشر على واقع الناس واحتياجاتهم”. مشيرًا إلى أنّ هذا التحرك يسهم في بناء تدخلات أكثر واقعية واستجابة لأولويات المجتمع المحلي”.
وفي سياق هذا التوجّه الميداني، ركّز الوفد الأوروبي على القطاعات المرتبطة مباشرة بحياة السكان وسبل بقائهم، وفي مقدمتها المياه والزراعة والأمن الغذائي.
وأفرد سفير الاتحاد الأوروبي والوفد الدولي التابع له، مساحة كبيرة من زياراته الميدانية لأرياف مدينة تعز، فقد زار مديرية جبل حبشي غرب تعز، وتفقد خزانات مياه الري الداعمة للزراعة، وعزلة الزعازع في الشمايتين، تشديدًا على أهمية الوصول إلى المياه لسبل كسب العيش في الريف وتعزيز الأمن الغذائي.
وشملت زيارة “باتريك سيمونيه” أيضًا لقاءات مع عائلات في مخيمات النازحين، حيث قدّم الاتحاد الأوروبي دعمًا لتعزيز سبل العيش والاعتماد على الذات في أوساط المجتمعات النازحة. وفقًا لما ذكره السفير في موقعه على الانترنت.
وعن تخصيص السفير الأرياف بهذه الزيارة، تحدث مروان المقطري بالقول: “إنّ الريف في تعز يحتضن أكثر من 70% من السكان كما يحتوي على نسبة كبيرة من الفقراء قد تصل ل80% وهو من أكثر المناطق تأثرًا بتداعيات الحرب والفقر والنزوح وضعف الخدمات الأساسية، ويمثل نموذجًا حيًا لصمود المجتمعات المحلية وقدرتها على التماسك رغم الظروف الصعبة”.
الاستثمار في الإنسان الريفي
ويعكس هذا التركيز على الأرياف إدراكًا متزايدًا لدى الشركاء الدوليين بأنّ التعافي الحقيقي يبدأ من المجتمعات الأكثر هشاشة والأشد تضررًا.
وأكد مدير فرع الصندوق الاجتماعي للتنمية – تعز، في حديثه لـ “ملاذ”، “أنّ التركيز على مناطق ريفية مثل جبل حبشي والزعازع يعكس اهتمام الاتحاد الأوروبي بالوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة واحتياجًا خصوصًا في المناطق التي تعاني من محدودية الوصول إلى الخدمات الأساسية كالمياه والتعليم والصحة وسبل العيش”.
وأشار إلى أنّ الزيارة الميدانية منحت الشركاء الدوليين فرصة لمعاينة أثر المشاريع التنموية المنفذة على حياة الناس بشكل مباشر والاستماع إلى المجتمعات المحلية والنساء والشباب حول أولوياتهم الحقيقية. مؤكدًا أنّ قيادة للصندوق الاجتماعي للتنمية تحرص على أن تكون الجسر الذي ينقل تطلعات البسطاء وأصواتهم إلى أعلى المستويات، وتأكيدًا على أنّ الاستثمار في الريف هو استثمار في كرامة الإنسان واستقراره.
نحو دعم برامج التعافي
ومع اتساع الفجوة الإنسانية وتراجع التمويلات الإغاثية، تتجه الأنظار نحو مشاريع التعافي والتنمية باعتبارها خيارًا أكثر استدامة في مواجهة الأزمة الممتدة.
وبينما تستمر الاحتياجات الأساسية في الضغط على حياة السكان، تبرز جهود محلية ودولية تحاول، ولو بشكل تدريجي، دفع عجلة التعافي، وهو ما تطرق له “المقطري” في حديثه لـ “ملاذ” بقوله إنه بفعل التراجع التراجع الملحوظ في التمويلات الإنسانية تبرز أهمية توجه الشركاء الدوليين نحو دعم برامج التعافي المبكر والتنمية المستدامة باعتبارها مقاربة أكثر أثرًا على المدى الطويل.
وأشار إلى أنّ الاستثمار في الإنسان والتنمية المحلية هو الطريق الأكثر فاعلية لتخفيف المعاناة وتعزيز الاستقرار المجتمعي. مؤكدًا بذل الصندوق الاجتماعي قصارى جهده لترجمة التمويلات إلى مشاريع ملموسة تدعم المجتمعات وتنتقل بها من حالة الاعتماد على المساعدات إلى حالة الإنتاج وخلق فرص العمل بما يسهم في جهود التعافي.
وإلى جانب البعد الإنساني والتنموي، حملت الزيارة رسائل سياسية ومجتمعية مرتبطة بدعم السلام وتعزيز دور المجتمع المدني في بناء مستقبل أكثر استقرارًا.
وفي جانب آخر، مثَّل التفاعل مع المجتمع المدني محورًا أساسيًا في زيارة سفير الاتحاد الأوروبي، إذ التقى بعدد من المنظمات، جدد فيها السفير التأكيد على دعم الاتحاد الأوروبي لمبادرات الوساطة المحلية، والعدالة الانتقالية، ودور المرأة والشباب في بناء السلام، داعيًا في الوقت ذاته إلى الإفراج عن المحتجزين، مع دعم الأسر الساعية إلى تحقيق العدالة والمساءلة.
ورغم أنّ زيارة سفير الاتحاد الأوروبي لن تغيّر، بمفردها، واقع الحرب الممتد في تعز، إلا أنّها أعادت تسليط الضوء على مدينةٍ تعاني آثار الصراع ومجتمعات ريفية تحاول البقاء وسط الفقر والنزوح وتراجع الخدمات. وبين رسائل التضامن الدولية وتطلعات السكان، تبقى الحاجة ملحّة لتحويل الزيارات الدبلوماسية إلى دعمٍ مستدام يعيد للناس جزءًا من الاستقرار الذي فقدوه خلال سنوات الحرب الطويلة.



