رأي

مترجم لغة الإشارة؛ ذلك الذي يختارُ أن يكون “الخفيّ الحاضر”.

ملاذ | منى با شراحيل – مترجمة إشارة

يظنونها حركة يدين، يظنونها أداءً روتينياً، ويصنفونها في أدراج المهن الثانوية التي لا تضاهي هيبة الطبيب بلقبه، ولا سطوة المحامي ببلاغته. وما أبعدهم عن الحقيقة!
​إنَّ هذا المترجم هو طبيبٌ للنفوس المحبوسة خلف جدران الصمت، يفكُّ أصفاد العزلة عنهم، وينقلُ أوجاعهم حين يعجزون عن الشكوى، ويترجمُ حقوقهم حين يضيعُ صوتهم في صخب الحياة. هو محامٍ يدافعُ عن حقّهم في أن يفهموا ويُفهموا، يقفُ ساعاتٍ طوال، يجهدُ بصره، ويستهلكُ أعصابه في محاولةٍ لنقلِ روح الكلام لا مجردِ حروفه.

​هل تعلمون حجم التعب؟
ليس تعباً في الأطراف فحسب، بل هو “احتراقٌ نفسي” حين يغدو المترجم مرآةً لكل ألمٍ يترجمه، ولكل قصةِ معاناةٍ ينقلها، ولكل دموعٍ يراها في عيون الصمّ الذين لطالما تجاهلهم المجتمع. إنه يعيشُ ضغط الموقف، وسرعة البديهة، والمسؤولية الأخلاقية؛ فكلمةٌ واحدةٌ غير دقيقة قد تعني ضياع حقّ، أو سوء فهمٍ لمصير.

​ومع ذلك، يظلُّ واقفهُم بلا ضجيج، يبتسمُ للصمت، ويواجهُ نظرات الاستصغار بوقارِ مهنته العظيمة. إنَّ الصمّ لا يحتاجون مَن يتحدثُ بلسانهم فقط، بل يحتاجون مَن يشعرُ بـ “نبرة” حركاتهم.

​يا من تظنونها مهنةً هامشية، أعيدوا النظر؛ فالمترجم الذي يترجمُ “الصمت” إلى “معنى” هو صانعُ جسورٍ، ومُعيدُ كرامةٍ، وإنسانيٌ من طرازٍ رفيع. لا تقاسُ أهمية المهن ببريق الأسماء، بل بمدى الأثر الذي يتركهُ أصحابها في قلوبٍ كانت تُعاني الوحدة، فجاء هؤلاء ليقولوا لهم: “نحن هنا، نحن نسمعكم بقلوبنا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى