“زبائن” المنظمات!

ملاذ | نشوان السميري – مستشار إعلامي ومدرب
من أخطر الممارسات التي تحدّ من فعالية التدريب وعدالة الحصول على فرص تدريبية متساوية للجميع، تعوّد “بعض” المنظمات والجهات استدعاء أشخاص بعينهم، نراهم عادة في التدريبات، الوجوه نفسها، والأسماء نفسها، وكأن التدريبات وجباتٌ مقررة لهم.
ومن الصور المتطرفة لهؤلاء الزبائن الدائمين؛ ما كنت شاهد عيان عليه بنفسي، أن إحدى الجهات الحكومية -وأتحفظ على ذكر اسمها- كان لدى منسقها قائمة أسماء “مستقرة” بمجموعة من الإعلاميين يتم استدعائهم للتدريب في كل نشاط ينفذه البرنامج، رغم اختلاف المانحين وتكرر موضوع التدريب نفسه، بل إن نشاطين متتاليين يفصل بينهما وقت قصير؛ شهدَا حضور الأشخاص أنفسهم، والمدرب نفسه، والمنسق نفسه، والمحتوى نفسه، ولم يكن الاختلاف إلا في الجهة الممولة، وهو ما يعكس حجم العبث في إدارة التدريب.
أما الصور الأقل حدّة، فهي أن تجد أشخاصا تكرر حضورهم في تدريبات مختلفة، ومع منظمات لا رابط بينها، لكن الأولوية تعطى لهؤلاء “المشاهير” من المتدربين الذين ربما يراد بمشاركتهم إعطاء قيمة أكبر للتدريب، لكونهم وجوها معروفة، أو تبادل المنافع معهم، أو مجاملتهم.
وقد يرجع أبرز أسباب هذا الأمر غالبا إلى ضعف المهنية أو التحيّز لدى القائمين على التدريبات، أو التساهل في معايير الترشيح، كما قد يكون حرص بعض المنظمات الأساسي هو إشعار المانح أن النشاط نُفّذ حسب الجدول الزمني المتفق عليه وحسب، بصرف النظر عن جودة المخرجات والأثر الحقيقي للتدريب.
وقد لا تكون المسألة ظاهرة عامة، لكنها موجودة بالفعل، كما أن بعض الأشخاص يسعون وراء المقاعد التدريبية بشتى الوسائل، وهو وجه من أوجه الفساد في العمل المنظماتي.
ومن المظاهر السلبية الأخرى لهذا الأمر، إشراك متدربين لا علاقة بموضوع التدريب أساسا، حتى أنه في إحدى المرات أشركوا في تدريب مختص -قمتُ بتنفيذه- حارس المنظمة الأميّ الذي لا يقرأ ولا يكتب، فقط ليحصل على بدل التنقل اليومي، ويشمل هذا أيضا بعض المجاملات للأقارب والمعارف وغيرهم.
وفي مستوى آخر، نلاحظ أن بعض المسؤولين في بعض المنظمات يحتكرون كل فرص التدريب المحلي والخارجي، حتى وإن تكرر أخذهم لموضوع التدريب نفسه، وفي هذا -لا شك- احتكار مقيت، وعدالة غائبة، وإهدار لفرص إعداد القادة الجدد داخل المنظمات، إنها أنانية لا يمكن التسامح معها أو غض الطرف عنها، وعلى المنظمات التي تدعو للتدريب أن تضع المعايير الصارمة كي يحصل المرشح المناسب على فرصته المناسبة دون أو مجاملة أو خذلان، وتطبّقها.
ومقابل زبائن المنظمات من المتدربين يوجد زبائن للمنظمات من “المدربين” أنفسهم، ويمارسون بشكل لافت احتكار بعض تنفيذ أنشطة التدريب لمنظمات بعينها، مما يثير تساؤلات مشروعة حول معايير الاختيار، خاصة عندما تُسند بعض الأنشطة إلى مدربين خارج نطاق تخصصهم.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الاحتكار غير المبرر، وبين تكرار الاستعانة بمدربين متميزين فرضتهم خبرتهم وجودة أثرهم، فذلك أمر طبيعي في كثير من البرامج المتخصصة.
زبائن المنظمات واقع مُشاهد، وهو ليس اتهام لأحد بقدر ما هو إثارة لنقاش عام حول ظاهرة مرصودة، وعلى المنظمات والجهات المانحة أن تضع هذه الظاهرة تحت المجهر، وأن تعالجها متى وُجدت، حفاظًا على كفاءة التدريب، وتحقيقًا للشفافية، وتكافؤ الفرص، وبناء القدرات الحقيقية.



