الفن والثقافة.. من قطاعٍ مستقل إلى قلب التنمية المستدامة

ملاذ | مقالات – نسيم المسلمي
عندما يُذكر الفن والثقافة، يتبادر إلى أذهان كثيرين الغناء، والشعر، والمسرح، والمعارض الفنية، والتراث الشعبي. وغالبًا ما يُنظر إليهما باعتبارهما مساحة للتعبير أو الترفيه، بعيدة عن قضايا التنمية والاقتصاد والسلام. ورغم أهمية هذا الدور، فإنه لا يعكس سوى جزء من الصورة.
فالثقافة ليست مجرد نتاج للمجتمع، بل هي ما يشكل قيمه، ويؤثر في سلوكه، ويحافظ على هويته، ويمنحه القدرة على التكيف مع التغيرات والتحديات. ولهذا، لم أعد أراها قطاعًا مستقلًا إلى جانب التعليم أو البيئة أو الاقتصاد، بل أداةً قادرة على الربط بين هذه القطاعات جميعًا، وصناعة أثر تنموي أكثر عمقًا واستدامة.
لم أصل إلى هذه القناعة عبر النظريات والمصطلحات، بل من خلال التجارب الميدانية. ففي كل مشروع شاركت في تصميمه أو إدارته، كنت أكتشف أن الثقافة ليست عنصرًا مكمّلًا للمبادرات، وإنما أحد أهم العوامل التي تحدد نجاحها واستدامتها.
من أكثر هذه التجارب تأثيرًا مشروع “فن وحياة”، الذي انطلق بهدف تمكين النساء وتعزيز الحماية الاجتماعية والاستدامة البيئية من خلال الصناعات الإبداعية. لكن مع تقدم المشروع، اتضح أن الأثر تجاوز بكثير حدود التدريب أو تطوير المنتجات.
تحولت الورش في مخيم رائدات إلى مساحات تستعيد فيها المشاركات ثقتهن بأنفسهن، ويعدن اكتشاف قيمة الحرف التقليدية بوصفها مصدرًا للدخل والكرامة والهوية في آنٍ واحد. ومن خلال دمج الإبداع مع ريادة الأعمال، أصبح بالإمكان تحويل المهارات المحلية والحرف اليدوية إلى فرص اقتصادية مستدامة، دون التخلي عن البعد الثقافي الذي يمنح هذه المنتجات تميزها وقيمتها.
وفي الوقت نفسه، كشف المشروع أن العمل المناخي لا يبدأ دائمًا من التكنولوجيا والطاقة المتجددة، بل من الثقافة التي تشكل سلوكنا اليومي. فمن خلال إعادة توظيف المواد والمخلفات البلاستيكة وتحويلها إلى منتجات فنية ذات قيمة، كما يُعد الفن من انجح الوسائل لتعزيز الوعي البيئي، وتشجيع الاستهلاك المسؤول، وإثبات أن الاستدامة يمكن أن تبدأ من فكرة إبداعية بسيطة قبل أن تتحول إلى سياسة أو مشروع كبير.
ثم جاءت تجربة معرض “رائدات للصناعات الإبداعية والفنون المستدامة” لتضيف بعدًا جديدًا لهذه الرؤية. فخلال مرحلة الإعداد للمعرض، لم يكن التحدي مقتصرًا على تنظيم فعالية ناجحة، بل كان التفكير يدور حول كيفية ضمان استمرار أثرها بعد انتهاء أيام المعرض.
ومن هنا برزت فكرة إنشاء منصة “رائدات” الرقمية لتكون مساحة مستدامة تعرض منتجات الحرفيات، وتربطهن بالعملاء، وتفتح أمامهن فرصًا جديدة للتسويق والوصول إلى الأسواق. بدأنا العمل عليها عبر Facebook وInstagram باعتبارهما المنصتين الأكثر استخدامًا في اليمن، مع طموح لتطويرها مستقبلًا إلى منصة رقمية متكاملة تدعم الصناعات الإبداعية، وتعزز الاقتصاد الإبداعي، وتمنح المبدعين مساحة دائمة للنمو والتشبيك.
هذه التجارب أعادت أيضًا تشكيل فهمي للعلاقة بين الثقافة وبناء السلام. فكثيرًا ما يُنظر إلى السلام باعتباره نتاجًا للسياسات والاتفاقات، بينما يبدأ في الواقع من المساحات التي تجمع الناس حول تجربة مشتركة. ففي الورش والمعارض والفعاليات الثقافية، لا تُعرض المنتجات أو الأعمال الفنية فقط، بل تُبنى جسور الحوار، وتُستعاد الثقة، ويتحول الاختلاف إلى مساحة للتعاون والتفاهم. ومن هنا، تصبح الثقافة أداة حقيقية لتعزيز التماسك الاجتماعي، تمامًا كما تصبح أداة لتغيير السلوك وتعزيز الوعي في قضايا المناخ والاستدامة.
ما تعلمته من هذه الرحلة هو أن الفن والثقافة ليسا رفاهية كما يصورهم البعض ويمكن تأجيلهم حتى تتحقق التنمية، بل هما من أكثر الأدوات قدرة على جعل التنمية أقرب إلى الناس وأكثر ارتباطًا بحياتهم اليومية. فمن خلال الثقافة يمكن تمكين النساء، وتحفيز الاقتصاد الإبداعي، والحفاظ على الهوية، وتعزيز السلوك البيئي المسؤول، وخلق مساحات للحوار وبناء السلام.
وربما لا نحتاج اليوم إلى مزيد من المشاريع التي تعمل في مسارات منفصلة، بقدر ما نحتاج إلى طرق جديدة للتفكير؛ طرق ترى الفن والثقافة ليسا قطاعًا على هامش التنمية، بل القوة التي تمنحها المعنى، وتربط بين الإنسان، والهوية، والاقتصاد، والاستدامة، والسلام.
وعندما تصبح الثقافة جزءًا من تصميم الحلول، لا مجرد نشاطٍ موازٍ لها، فإننا لا نبني مشاريع أكثر إبداعًا فحسب، بل نبني مجتمعات أكثر قدرة على الصمود، وأكثر اتصالًا بهويتها، وأكثر استعدادًا لصناعة مستقبلها.



