مصدر مياه وحيد “ومكشوف”.. عزلة المسّاحين في الشمايتين بتعز تصارع العطش منذ عقود

ملاذ | تقرير خاص
معاناةٌ يومية ومشقة قاسية، يعيشها أهالي عزلة المسّاحين بمديرية الشمايتين في محافظة تعز، مع العطش، في واحدة من أكثر صور المعاناة الإنسانية بالمحافظة. حيث يعتمد آلاف من المواطنين في العزلة على مصدرٍ وحيد، يشكّل ملاذهم الأخير، في وقتٍ تشابكت فيه الأزمات على السكان، وأثقلت عن كواهلهم، وأبقتهم بين مرارة الواقع وتزايد الاحتياجات.
وتحوّلت المياه في “المسّاحين” إلى معركة شاقة يخوضها الأهالي كل يوم من أجل البقاء، إذْ يقطع أطفال ونساء المنطقة مسافات طويلة عبر طرق وعرة، للوصول إلى “بئر الغساني العام” وهو مصدر بدائي ومكشوف، للعودة بكميات قليلة من مياه ملوثة لا تضمن لهم النجاة من الأمراض والأوبئة.
يقول عامر الزعزعي، وهو ناشط مجتمعي من أبناء المنطقة، “إنّ رحلة البحث عن الماء في عزلة المساحين، أصبحت شاقة ومكلفة، يدفع ثمن فاتورتها النساء والأطفال، في ظل الغياب التام للمشاريع الخدمية والتنموية، وحرمان السكان من أبسط مقومات الحياه”.
وأضاف “الزعزعي” لـ “ملاذ”، “أنّ أزمة المياه في هذه المنطقة تعتبر مأساة إنسانية بكل ما تعنيه الكلمة، أثرت بشكل مباشر على حياة الأهالي، وسبل عيشهم”. معتبرًا إلى أنّ عزلة المساحين خارج حسابات الجهات المختصة، وسقطت من دائرة الاهتمام الإنساني والخدمي”.
“أطفالنا يكبرون وهم لا يعرفون المياه النظيفة داخل البيوت، وأصبح الحصول على المياه من المعجزات، نتيجة اعتمادنا مجبرين على مصدر وحيد للماء”.
نموت من العطش
وفي كلمات تختصر حجم المأساة، يقول “سالم محمد” وهو أحد أبناء المنطقة: “نحن نموت من العطش، ولا أحد يلتفت إلينا”، ويتابع حديثه: “أطفالنا يكبرون وهم لا يعرفون المياه النظيفة داخل البيوت، وأصبح الحصول على المياه من المعجزات، نتيجة اعتمادنا مجبرين على مصدر وحيد للماء”.
و عبّر “سالم” في حديثه لـ “ملاذ”، عن حال السكان مع الماء بحرقة وأسى، وقال: “حتى البئر الموجود، ليس للاستخدام الآدمي، وغير نظيف، ومع ذلك نتجرّع هذا الماء، ونتجرّع معه حسرتنا وألمنا، لوضعنا الذي نحن فيه”. في إشارة إلى المأساة التي يعيشها أهالي المنطقة، في ظل انعدام مشاريع المياه التي تغطي احتياجاتهم”.
تعليم مُصادر وصحة مهددة
يعاود الناشط “الزعزعي” الحديث عن الوضع المأساوي الذي يعيشه الأهالي هناك، وأثر ذلك على الأجيال، بالقول: “تمتد أزمة المياه إلى أبعد من كونها عطش الأهالي، فقد باتت تشكل خطرًا على تجهيل جيل كامل، حيث يضطر الأهالي إلى منع أطفالهم من الالتحاق في المدارس، وإرسالهم للبحث عن المياه”. لتتحول رحلة البحث عن شربة ماء إلى ضياع جيل كامل من التعليم.
وقال لـ “ملاذ”:، “إنّ المعاناة في المساحين لا تتوقف عند الجفاف أيضًا؛ بل تمتد لتصل إلى أجساد الأطفال والنساء التي بدأت تنهشها الأمراض؛ نتيجة اعتمادهم على مصادر مياه مكشوفة وملوثة تهدد حياتهم بالخطر وتنتشر من خلالها الأوبئة الفتاكة”.
فيما يروي منسق عزلة المسّاحين، فيصل علي المسّاح، بقوله “إن عشرات الأطفال باتوا يتسربون من التعليم تدريجيًا بسبب استنزاف الوقت والجهد في توفير المياه لأسرهم، حيث تبدأ رحلاتهم منذ ساعات الصباح الأولى، حاملين أوعية فارغة يسيرون بها لمسافات طويلة قبل أن يعودوا بمياه غير صالحة للشرب في كثير من الأحيان”.
وبحسب منسق العزلة “المسّاح” في حديثه لـ “ملاذ”، “فإن أطفال المنطقة لا يعرفون معنى وجود المياه الوفيرة داخل المنازل”.، إذْ نشأ جيل كامل في بيئة يلازمه فيها العطش كجزء من تفاصيل الحياة اليومية.
إنقاذ المنطقة من أزمة متفاقمة
ومع تصاعد أزمة المياه، وما خلفتها من آثار على الجانب الصحي والتعليمي، أطلقت الأسر في عزلة المساحين نداءات استغاثة للجهات الرسمية والمنظمات العاملة في المجال الإنساني، بضرورة تنفيذ مشروع مياه ارتوازي ينقذ المنطقة من كارثة إنسانية متفاقمة.
وتحدّث منسق العزلة “صادق المسّاح” نيابةً عنهم، لـ “ملاذ” بالقول: “إنّ عزلة المسّاحين تعاني من أزمة المياه منذ العام 2002، أي قبل عقدين ونصف، ومع تقادم الوقت تتفاقم المعاناة أكثر مع ازدياد أعداد السكان، وخلال هذه الفترة الطويلة لم تحصل العزلة على حقها من الخدمات الأساسية والضرورية”. داعيًا المنظمات المهتمة بالمشاريع التنموية إلى إيلاء هذه المعضلة الاهتمام التي تستحقه، فالعزلة بحاجة إلى مشاريع مياه، والأهالي يستحقوا أن ينالوا جزءًا من الراحة”. على حدّ تعبيره.
ويعدّ توفير مشروع مياه في ظل هذا الوضع ضرورة عاجلة لحماية آلاف المدنيين من العطش والأمراض، وإعادة الأطفال إلى مدارسهم، وإنهاء سنوات طويلة من المعاناة اليومية مع البحث عن الماء.
وبحسب منظمات دولية، تواجه اليمن واحدة من أسوأ أزمات المياه في العالم نتيجة الجفاف الشديد، واستنزاف المياه الجوفية، وانهيار المؤسسات، واستمرار الصراع. حيث أدت الحرب إلى تدمير البنية التحتية للمياه وتلوث المصادر ونزوح ملايين الأشخاص، مما قلل من إمكانية الوصول إلى المياه آمنة والنظيفة.



